آراء

ماذا لو؟ تحولت الجامعات إلى شبكة وطنية موحدة

جامعة بلا جدران: نحو شبكة وطنية موحدة يقودها الذكاء الاصطناعي. بقلم أ.د. عبد الله بن قريطان السويلمي العنزي

من (أبشر) و(توكلنا) و(ناجز) إلى جامعة سعودية عبر شبكة وطنية ذكية

تطور العلم وتغيرت حياتنا في سنوات قليلة فقط، بشكل لم يكن يتخيله أحد. تطورت بلادنا بشكل مبهر أبهر الداخل من مواطنين ومقيمين وزوَّار قبل الخارج بفضل قيادتنا الرشيدة وحكمتها ونظرتها المستقبلية، فمنذ إطلاق منصة (أبشر) الذي كان حدثا غريبا لم يخطر في الأذهان بأن تُجعل التعاملات الحكومية بهذه المرونة والسهولة، والخدمة التي غيرت مفهوم مراجعة الدوائر الحكومية يا له من إنجاز مذهل! اختصر الزمان والمكان والعقبات حتى أصبحنا ننجز معاملاتنا ونحن نتناول فنجالاً من القهوة السعودية في أي وقت خلال (24) ساعة من اليوم وصولا إلى منصة توكلنا التي وحّدت حياة المواطن والمقيم مع الدولة، فصارت بوابة دخول وخروج وخدمات يومية، ليضاف لهذه الإنجازات إلى إنجاز عظيم تمَّثل في منصة (ناجز) التي أعادت تعريف العدالة عبر رقمنة القضاء والخدمات العدلية.

لقد نجحت هذه المنصات في تحويل المؤسسات الكبرى والمعقدة إلى خدمات ذكية في متناول اليد، وإذا كان ذلك ممكنًا في الأمن والصحة والقضاء، فلماذا لا يكون ممكنًا في التعليم الجامعي؟ لماذا لا تكون الجامعة نفسها منصةً وطنيةً شبكيةً خارج المباني وخارج القاعات، بل شبكة حية تديرها خوارزميات الذكاء الاصطناعي، تتيح للطالب في أي مكان أن يحصل على نفس فرص زميله في المركز؟

قبل عدة سنوات من القرن الماضي، كان مجرد التفكير في جامعة بلا قاعات تقليدية يبدو ضربًا من الخيال. لكن المملكة بنظرتها المستقبلية، وحكمتها المعهودة وبجرأة استباقية، أنشأت الجامعة السعودية الإلكترونية؛ لتكسر هذا الحاجز بين التعلم المقيَّد بالمكان، وتفتح الباب أمام تجربة غير مسبوقة جمعت بين التعليم الحضوري والتعليم عن بُعد. لقد أثبتت هذه الجامعة الرائدة أن الأحلام يمكن أن تتحول إلى مؤسسة حقيقية، وأن ما كان يُنظر إليه مغامرةً تعليميةً أصبح اليوم واقعًا ملموسًا. لنجد أن طلابها يتوزعون في كل أرجاء الوطن، يتلقون تعليمهم عبر المنصات الرقمية، ويحصلون على شهادات جامعية معتمدة تضاهي الجامعات التقليدية. كانت هذه التجربة بمثابة البذرة الأولى لفكرة أكبر، هي أن الجامعة ليست مبنى، بل فكرة حية قابلة للتطور، وأن التقنية يمكن أن تكون جسرًا بين الطالب والمعرفة أينما كان؟

وإذا كانت الجامعة الإلكترونية قد أحرزت السبق فحررت التعليم من قيود المكان، فإن الحلم القادم هو أن تتحول الجامعات السعودية كلها إلى شبكة وطنية ذكية يقودها الذكاء الاصطناعي. فالطالب في بيشة في الجنوب أو في رفحاء في الحدود الشمالية يحضر محاضرة في جامعة الملك سعود، ويجري تجربة مخبرية عبر محاكاة ذكية في مختبر جامعة الملك فهد، ويشارك في بحث يقوده فريق من نيوم، أو جامعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز “كاوست” وهو لم يغادر مقعده المحلي. أبداً ليست هذه مشاهد خيالية، بل هي ملامح ممكنة إذا اجتمع الطموح الإنساني مع قوة التقنية.

لقد تملكتني هذه الفكرة مع العلم أنني لست متخصصا في الذكاء الاصطناعي، ولكن الخيال يمكن أن يسبح في فضاء التطور التقني والثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ودعتني هذه الفكرة لطرح تساؤل من منطلق أن التفكير الإبداعي والابتكاري قد ينتج من طرح سؤال ماذا لو؟ الذي طرحه ديبونو في كثير من برامجه التدريبية لتعليم التفكير والإبداع.

وسؤالي المطروح:

ماذا لو؟ تحولت الجامعات إلى شبكة وطنية موحدة، جميعها حلقات متصلة في منصة واحدة؟ ماذا لو صار لكل طالب مسار شخصي يصممه الذكاء الاصطناعي، يوازن فيه بين البحث والتطبيق والمهنة؟ ماذا لو كانت المختبرات افتراضية، والتجارب العلمية متاحة بالواقع المحاكي للجميع؟

ماذا لو لم تعد الأبحاث حكرًا على المراكز الكبرى، بل موزعة حيث الحاجة: التعدين في الشمال، الزراعة في القصيم، الطاقة في الجوف؟ ماذا لو لم تبق الجامعة جامدة في تصنيف واحد، بل تغيرت هويتها بحسب أدائها الحقيقي؟

أليست كل الثورات الفكرية بدأت حلمًا؟

لقد كانت الجامعة السعودية الإلكترونية حلمًا قبل أن تصبح واقعًا. واليوم قد يبدو نموذج الجامعة الشبكية الذكية طموحًا بعيدًا، لكنه قد يكون هو المستقبل الطبيعي للتعليم العالي في وطني الغالي.

إنني هنا لا أقدم مشروعًا متطورا، ولا خطة مدروسة تقدم للوزارات المعنية مثل وزارة التعليم، بل هو حلم لمواطن سعودي وأستاذ جامعي محب للعلم يبحث عن نافذة تنقله إلى نور الفضاء الرحب في سماء التطور الرقمي وهيمنة الذكاء الاصطناعي.

حلم يرى الجامعة جسرًا بين الأطراف والمركز، بين الطالب وطموحه، بين الوطن ومستقبله. حلم يقول إن الجامعة لم تعد جدارًا ولا قاعة، بل شبكة حيّة من العقول المتصلة، حيث يلتقي الطموح بالذكاء، وتتحول المعرفة من مكان إلى فضاء. وقد يرفضه الواقع اليوم، لكنه قد يكون غدًا واقعًا يتباهى به العالم: “جامعة سعودية شبكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي”.

هل ستشرق شمس “ماذا لو”؟

هل “ماذا لو” تكون من ضمن رؤية 2030؟

وحينها لن نسأل: ماذا لو؟ بل سنقول: لقد فعلناها.

زر الذهاب إلى الأعلى